Tuesday, February 26, 2008

استئذان

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
كان من المفترض أن يكون موضوع هذه المرة هو عرض لرأى الشيخ الطبيب محمد اسماعيل المقدم فى علاقة الإسلام بالوطنية .. و لكن جدت ظروف جعلتنى أغير الموضوع .. و على العموم .. النقاش مازال مفتوحا فى التعليقات على الموضوع السابق و سوف أظل أتابعه حتى بعد إنزال المواضيع الجديدة
ا
أنا هارغى شوية و هاطول و فى الآخر هاقول إنى هاخد أجازة .. شوية كدة و راجع بإذن الله .. اللى عايز يقرا و يكمل .. يروح الأول يجيب كوباية شاى من القهوة و ييجى يسمع
ا
كل المواضيع التى قمت بكتابتها كانت بمثابة مواجهة لأنفسنا بمشاكلنا .. فأنا أرى أن الكثير من الأزمات التى تمر بها أمتنا نشأت من فهم غير منضبط لإسلامنا العظيم .. ربما يقول بعضكم:"و انت بقى اللى فاهم الإسلام فهم صحيح؟؟" ..هاقول إنى و الله باحاول أفهم ..و كل ما كتبته هو مجرد إشارة منى لمواطن الخلل فى الكثير من القضايا .. قد أكون صحيحا و قد أكون مخطئا .. و لكنى على الأقل حاولت .. و وضحت أماكن التناقض و مواطن الخلل قدر فهمى و قدر استطاعتى .. و كل منا لديه العقل و الإرادة و الضمير الذين يمكنونه من اتخاذ القرار الصائب
ا
كان لا علاقة لى بالتدوين .. كنت أتابع ذلك النشاط فقط كمشاهد من بعيد .. فكنت أظن أنى لا أحمل شيئا جديدا أو ذا قيمة لكى أنشى لأجله مدونة خصوصا فى وجود فطاحل عالم التدوين .. إلى أن تشجعت يوما تحت ضغط الانفعال إلى أن أعلق على مدونة أحد الإخوة معترضا على الطريقة التى عالج بها الموضوع على الرغم من أهمية الموضوع .. و كان عن الحل الإسلامى .. ربما بعضكم يعرف ملابسات الموضوع .. المهم .. يومها طرحت بعض الأسئلة و التى أرى أنها من الأهمية بحيث يجب علينا جميعا أن نعرف إجاباتها .. دار حينها شد و جذب بينى و بين كثيرين .. كانت محصلته ما بين تجاهل و إساءة و سخرية من ناحية (كأن وصفت من أحدهم بأنى أخطر على الدين من المثليات .. أما و قد عرفتمونى.. هل هذا صحيح؟؟)... و بين اهتمام و استحسان و إيجابية من ناحية أخرى.. فقد قام أخى الكريم الباحث عن الحقيقة (و لم أكن أعرف عنه شيئا مطلقا) من نفسه بعرض كل التساؤلات التى أثرتها و أجاب عليها فى تدوينة مستقلة باختصار و روية و تمكن ..و كانت إجابته نافعة جدا جدا بالنسبة لى (خاصة النقطة الخاصة بقراءة التاريخ و اتباع منهج مقارنة النصوص) .. و أجمل ما فى الموضوع أنه اهتم .. نعم اهتم بما أثرته من تساؤلات و هو لا يعرف عنى شيئا .. بل نشر لى رسالة أرسلتها إليه بالبريد .. و قدم أكثر شىء يستطيع تقديمه .. و أعتقد أنه لو كان يستطيع أن يفعل أكثر مما فعل.. لفعل
ا
فى نفس الوقت وجدت الأستاذ عصفور المدينة (الرجل الذى هو من أكثر المدونين إيجابية و لم أكن أعرفه أيضا حينئذ) قد قام بالإشارة فى أحد التعليقات إلى تدوينة كان قد كتبها عن الثوابت و المتغيرات كإجابة على تساؤل من التساؤلات التى أثرتها
ا
أما الأخت الفاضلة فتاة الجنة (و هى التى أنا مقصر فى حق مدونتها بشدة و أرجو أن تعذرنى على ذلك .. و أرجو أن يخبرها أحدكم بهذه التدوينة فأنا سأشعر بالحرج من دعوتها بعد هذه الفترة من الانقطاع) فقد قالت فى حقى قولا جميلا .. كانت كلمات موضوعية يدور معناها حول "و جادلهم بالتى هى أحسن" .. كل ذلك حمسنى أن أتابع المدونات المختلفة بحماس متزايد
ا
إلى أن جاء اليوم الذى فتحت فيه بريدى الإلكترونى ووجدت رسالة من أخى الباحث عن الحقيقة يدعونى فيها إلى مشاركته فى مدونته .. كانت سعادتى غامرة .. يعنى ماكنتش مصدق نفسى من الآخر .. و ظللت أقرأ الرسالة عدة مرات .. و بدأت معه التدوين ..و فوجئت بشخصبة الباحث عن الحقيقة الرائعة .. كان شخصا يحترم "الآخر" بشكل كبير .. كان لا يقاطعنى إذا تكلمنا على "الشات" .. و كان يستمع منى و يهتم لما أقول .. و يسدد النصح بإخلاص .. و كان متحمسا بشكل كبير .. استفدت منه كثيرا .. قدمنا الكثير من الموضوعات .. كانت له روحا عالية .. بل كان هو الذى يبعث الروح فى المدونة على عكسى تماما .. فأنا ممل بشكل كبير و غير جذاب و ربما منفر فى بعض الأحيان .. ربما بسبب طبيعة دراستى .. و كم قلت له أنه هو روح المدونة .. و لكن من عادة الروح .. أنها تحلق فوق عوالم البشر .. تتحرك جامحة بحرية .. تعلو و تهبط .. ننتظرها أن تعود إلينا يوما لتبعث فينا الحيوية و البهجة
ا
كانت الموضوعات التى كتبتها هدفها الأول هو محاولة لتوضيح بعض الأساسيات و بعض المبادئ العامة .. و أيضا التركيز على الكثير من المشكلات التى لمستها فى حياتى و بين زملائى .. كان هدفى أن نضع يدنا على المشكلة .. فقد كنت أتوجه بما أكتب إلينا .. نعم .. كنت أتوجه إلينا .. إلى الشباب من بنى وطنى و دينى ممن يحملون هم هذه البلاد و هم هذا الدين.. خاصة الذين يكتبون على مدوناتهم مواضيع دينية .. كنت أحاول ألا نقطع جذع الشجرة التى نحن واقفون عليها كأن ننكر تاريخنا و تراثا إلا ما رحم ربى .. فذلك للأسف ما يقوم به الكثير من الناس .. من يرفضون التاريخ و التراث إلا برؤيتهم هم فقط و من دونهم خاطئ.. و يرون أن التاريخ بدأ من نقطة محددة لاغيا كل ما قبله .. و كأن تاريخنا وزر .. يأتى الإسلام فيجب ما قبله من تاريخ و من أوزار (مع أن الفراعنة من أوائل من عرفوا التوحيد .. هناك من عرفه وحيا ..و هناك من عرفه عقلا .. هناك من آمن .. و هناك من كفر) .. و يرون أن التاريخ يسير فى مسار هم حددوه من قبل .. و ما دون هذا المسار يعد بدعا و ضلالات .. لا يوجد إلا فرقتهم هى فقط الناجية .. و هم فقط الذين يعرفون ثوابت الشرع .. و هم أهل التميز و العقل و من دونهم هم الدرجة الثانية .. الاجتهاد هو فقط اجتهادهم و هم أفقه الناس بالنصوص .. رأيهم صواب لا يحتمل الخطأ و رأى غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب .. أعتذر عن هذه الكلمات الشديدات .. و لكنى استمعت مؤخرا إلى أحد الدروس و التى وظف الرجل فيها كل ملكاته ليحذر الناس من أباطيل حجة الإسلام أبى حامد الغزالى .. الغزالى العالم الذى اتفق جمهور الأمة على أنه مجدد المائة الخامسة مثلما اتفقوا على أن مجدد المائة الأولى هو سيدنا عمر بن عبد العزيز و مجدد المائة الثانية هو الإمام الشافعى و اختلفوا على غير هؤلاء الثلاثة.. بل هو العالم الوحيد فى تاريخ الإسلام الذى أطلقوا عليه أنه "حجة الإسلام" .. و يا ليت هذا الداعية الحنبلى اقتدى بابن الجوزى الحنبلى .. الذى كان من أشد الناقدين للغزالى و مع ذلك اختصر و هذب كتاب الغزالى "إحياء علوم الدين" فى كتاب "منهاج القاصدين" و بهذه الإيجابية كذلكم كان بن تيمية الحنبلى و الطرطوشى المالكى
ا
إخوانى .. لم أدع يوما أنى الصاحب الأوحد للحق .. و إن كنت ادعيت أنى صاحب حق فلم أقل أنى الصاحب الأوحد له و غيرى باطل .. فأنا لست صاحب فكر أو رؤية مستقلة .. فذلك يستهلك عشرات السنوات.. أنا مجرد شخص عادى .. أقرأ و أستوعب و أفكر .. و فى النهاية أكتب بغرض الإشارة إلى جوانب أراها صحيحة .. و أخشى أن أكون مخطئا .. لذلك أستغرب ممن يستيقنون أنهم على الصواب الأوحد فى أمور هى من أمور الحياة و التى يحتمل الصواب فيها أكثر من وجه ناهيكم عن الاختلاف فى أمور الدين الفروعية (لتجد عبارة "هذا اختلاف غير سائغ" موجهة كسلاح إليك) .. و الطامة الكبرى تكون فى الاختلاف حول أمور الأصول (لتجد عبارات الذم و التهديد و الحدة و ربما تهم الابتداع و حينا آخرا التكفير)ا
ا
كلمة أخيرة .. أحب أن أوجه كل تحياتى و تقديرى للأستاذ عصفور المدينة .. ذلك الرجل .. السلفى المستنير .. الإيجابى .. الذى يكتب ليربى و يوجه .. و يحسن معاملة الناس .. و كأنه أب يربى أبناءه بالحسنى و الحكمة و الموعظة الحسنة .. لك منى يا أستاذنا كل احترام و تقدير
ا
كل ما سبق كان من قبيل استرجاع بعض الأحداث المثيرة فى الفترة السابقة .. إيذانا فى الدخول فى أجازة لن تستمر طويلا بإذن الله .. و سيكون معكم أخى الرائع الباحث عن الحقيقة .. بعض التفاصيل ستجدونها على الاستراحة
ا
أما بخصوص موضوع الشيخ محمد اسماعيل المقدم .. فمنذ أن بدأت كتابة ذلك الموضوع منذ شهور و أنا متردد فى نشره .. لا أدرى بوضوح لماذا.. و لما أخذت قرارى بأن أنشره ظهرت الموانع تلو الموانع .. و لا أدرى هل سأنشره يوما ما أم لا .. و لكن حتى ذلك الحين كنت أود أن يقرأه من اهتم بالعرض الذى قمنا به فى موضوع الوطنية .. فلا أدرى هل أرسله للمهتمين عن طريق البريد الإلكترونى ؟؟ .. حسنا .. جاءتنى فكرة .. سوف أرسله مبدأيا لكل من سوف يشرفنا بالتعليق على هذا الموضوع حتى و إن لم يطلب .. سوف أذهب إلى مدوناتكم و أحصل منها على عناوينكم الإلكترونية .. و من يريد أن يحصل على الموضوع و فى نفس الوقت هو لا يضع عنوانه الإلكترونى على مدونته و لا يريد لأحد أن يعرف عنوانه .. فليراسلنى على عنوانى التالى
Ebn.7ajar.al3asqalani@gmail.com
أما من لا يريدنى أن أرسل له الموضوع فليقل لى تصريحا أو تلميحا و أنا سوف أفهم طلبه و أتفهم رغبته
ا
فى النهاية .. أود أن أوضح عنى بعض المعلومات: فى أمور السياسة و المجتمع فأنا لست إخوانيا (بل أنا لست إخوانيا على الإطلاق).. فى أمور الفكر و الدعوة فأنا لست سلفيا (سلفي بمعنى تبنى الفكر الحالى للتيار السلفى) .. فى صفات الله و تأويلها فأنا لست أشعريا (ربما ظن البعض أنى كذلك لدفاعى عن التأويل) ..أردت بذلك فقط التوضيح لأنى شعرت من البعض فى تعليقاتهم أنهم يظنون أنى أنتمى لفئة من هذه الفئات.. و لجميع هؤلاء احترامى و تقديرى
ا
و أراكم فى التعليقات على خير
ا
يا ترى .. ماحدش فيكم سأل نفسه أنا ليه سميت نفسى على اسم العالم الجليل الحافظ بن حجر العسقلانى ؟؟ لو حد كان فكر فى سبب ياريت يقوله يا جماعة

Monday, February 18, 2008

الوطن .. و توضيح المفاهيم

الوطن .. و توضيح المفاهيم


قبل أن أبدأ .. أحب أن أحيى من كل قلبى منتخبنا الوطنى على إنجازه الرائع فى بطولة الأمم الأفريقية. فقد كان دقة التنظيم و حسن الإدارة و الأداء الجماعى المتكامل و التفاهم و الإصرار على الفوز و الإيجابية و التفانى و جمال اللعب و حسن الأداء.. كل هذا بالإضافة إلى أهم نقطة و هى التفاف جميع أفراد الشعب المصرى و الشعوب العربية بل و بعض المشجعين الأفارقة حول المنتخب المصرى .. ناسين ما بينهم من شحناء و بغضاء .. و مجتمعين حول المباريات واصلين الرحم داعين الله بالتوفيق و الفوز .. و لم تتوقف شفاه أحدهم عن الاستغفار أو الدعاء .. كل هذا يعد من الإيجابيات و التى أظن أنها غابت عن كثيرين

لقد وحدت الرياضة بين جموع غفيرة متمايزة و مختلفة .. و تسببت فى موجة عارمة من الفرحة لم تترك أحدا إلا و أبهجته.. لقد نجحت الرياضة في ما عجزت عنه السياسة .. لقد نجحت الرياضة في ما عجزت عنه النخبة .. لقد أنجزت الرياضة ما فشل فى تحقيقه زعماء و مفكرون و دعاة

و بالرغم من أنى "زملكاوى" إلا إنى أخص بالتحية و التقدير اللاعب الخلوق "أبو تريكة" و خصوصا بعد حصوله على أشرف إنذار يمكن أن يحصل عليه لاعب كرة قدم .. و على مبادرته بجمع تبرعات من باقى أعضاء الفريق الوطنى لبناء مسجد للمسلمين فى غانا .. تلك الأحداث التى لم يذكرها البعض فى التعليق على البطولة باعتبار أن هذه البطولة لم تقدم للإسلام شيئا ذا قيمة و اكتفى بالنظر إلى الجزء الفارغ من الكوب غاضا النظر عن روح التدين العميقة و الطبيعية و الغير مفتعلة لكل أفراد الفريق و التى قدمت الإسلام فى صورة حضارية جميلة لملايين المتابعين للبطولة .. و كأن الإسلام من وجهة نظرالبعض يجب أن يقدم للآخرين فقط فى صورة خطبة أو درس أو مناظرة على مرأى من الأعيان .. أو ربما عن طريق فتح بالسيف و السنان

نعود إلى موضوعنا

كنا ننوى أن نقدم هذه المرة عرضا لرأى الشيخ الطبيب محمد اسماعيل المقدم فيما يتعلق بأمر الوطن و متعلقاته .. و لكن بعد متابعة التعليقات على الموضوع السابق .. أصبح من الأفضل تأجيل ذلك الموضوع للتدوينة القادمة .. و تقديم تدوينة توضح المفاهيم الدائر حولها الحوار قبل أن نخطو خطوة أخرى

فى قضيتنا هذه نجد أن لدينا ثلاثة كلمات .. هم: "الوطن" و "الوطنية" و "المواطنة" .. لكل واحدة مفهوم سيتضح من الآتى

فى البداية نود أن نشير أن هذه المفاهيم هى مفاهيم حضارية إنسانية نشأت و تكونت نتيجة لتطور العمران البشرى على مدار التاريخ .. هذه المفاهيم قديمة النشأة تكونت بشكل أو بآخر قبل الإسلام .. و حينما أتى الإسلام أقرها كما أقر غيرها من ميراث الأمم السابقة بعد الضبط و التهذيب

و أود أن أقول أن قصر التعامل مع أمور الوطن و متعلقاته على زاوية نظر واحدة و هى زاوية النظر من خلال العقيدة فذلك أمر شديد المخالفة لطبائع الأمور .. فقضية الوطن و متعلقاته هى قضية من قضايا "الهوية" .. و الهوية تقوم على أركان كثيرة منها عوامل الجغرافيا و عوامل التاريخ و عوامل اللغة و عوامل الدين الذى هو عقيدة و شريعة و أخلاق .. فنجد أن العقيدة هى عامل من ضمن عوامل كثيرة جدا تدخل فى تكوين هوية الفرد

و الآن .. لنتأمل أولى هذه الكلمات .. لو تأملنا كلمة "الوطن" فإننا نجد أن الوطن لغة هو: المنزل الذى يمثل موطن الإنسان و محله .. و لكن الوطن كمفهوم حضارى يعبر عن معانى أكثر من ذلك .. فالإنسان كما يعيش على أرض .. فإنه يسعى لتحقيق حاجاته الأساسية التى يستغل فيها موارد بيئته .. و لا يستطيع أن يقوم بذلك منفردا لذلك وجب عليه الانتماء لجماعة .. أدى ذلك لوضع ظوابط و قواعد تحكم علاقات أفراد هذه الجماعة .. لذلك وجب أن تتواجد فئة بيدها الأمر و النهى .. كل هذه المنظومة تتحرك لتحقيق رفاهية أصحابها لذلك يمكننا أن نقول أن الوطن باختصار شديد هو ترتيب يقوم أصحابه الذين يعيشون فى بيئة مشتركة بالتعاون لاستغلال الموارد المتاحة و يضمنون به تحقيق حقوقهم و واجباتهم و ذلك لتحقيق الرفاهية فى المعيشة و ذلك هو عين إعمار الأرض الذى يطالبنا به الله عز و جل


أما الوطنية فهى: المشاعر و الروابط الفطرية و التى تنمو بالاكتساب لتشد الإنسان إلى الوطن الذى استوطنه و توطن فيه

و أخيرا المواطنة .. فهى من المفاعلة .. فهى مشاركة .. بمعنى المشاركة فى تأدية الحقوق و الالتزام بالواجبات من الأفراد تجاه هذا الوطن


الوطن هو كيان تعيش فيه .. الوطنية هى وجدان الناس .. المواطنة هى التساوى فى الحقوق و الواجبات

الوطن هو ترتيب على أرض .. الوطنية هى ترتيب فى النفوس .. المواطنة هى ترتيب يضبط تفاعلات الناس

الوطن منظومة .. الوطنية مشاعر .. المواطنة مشاركة


هذه المفاهيم ليست بغريبة عن الإسلام كما يدعى البعض.. بل نجد أن مصطلح "الديار" هو المكافئ تماما لمصطلح "الوطن" و قد ترتب عليه من الحقوق و الأحكام (أى المواطنة) ما هو عظيم.. فنجد الآية 30 سورة الأنفال التى تقول:"وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" فإن فيها الإخراج من الديار معادل للقتل

أما الآيتان 8 و 9 من سورة الممتحنة و اللتان تقولان:" لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" فإنهما عمن لا تجوز موالاتهم و هم ثلاث فئات (أ) الذين يقاتلون المسلمين فى الدين
(ب) الذين يخرجون المسلمين من ديارهم (ج) الذين يظاهرون و يساعدون على إخراجهم .. ثلاثة شروط منهم اثنان لهما علاقة مباشرة بالوطن ..
ثلثى أسباب الموالاة و المعاداة هى أسباب وطنية

و الكثير و الكثير من الآيات مثل الآية 66 سورة النساء و الآيتين 243 و 244 سورة البقرة و الآيتين 39 و 40 سورة الحج

و الآن و بعد وصولنا إلى هذه النقطة نجد أن هناك تساؤلا يطرح نفسه ..و هو .. القائلون بأن الوطنية معناها الارتباط بالوطن دون النظر إلى الدين .. من أين جاءوا بهذا التعريف ؟؟ و القائلون بأن الوطن هو قطعة من الأرض خط حدودها أعداء الإسلام .. إلى أى مدى يقارب هذا التعريف طبائع الأمور ؟؟

فى رأيى .. أعتقد أن موقف هؤلاء الدعاة من هذه المفاهيم هو موقف مجاوز للصواب .. و أظن أن أسباب رفض هؤلاء الدعاة لهذه المفاهيم يمكن حصرها فى الأسباب التالية


السبب الأول: اختلاف تعريفات هذه المفاهيم عند هؤلاء الدعاة و الشيوخ عنها عند سائر الناس .. و هنا يظهر تساؤل و هو ما الدافع الذى تسبب فى استحداث مفاهيم جديدة لمصطلحات هى موجودة أصلا ؟؟ و من الملاحظ أن ذلك أمر متكرر كثيرا


السبب الثانى: هذه المفاهيم حينما تكون فاعلة و مؤثرة فإنها تحقق قدرا من التناغم و التساوى فى مظاهر الحياة فى أى مجتمع بين أفراده.. و هو ما يعد مرفوضا عند هؤلاء الدعاة .. انطلاقا من أن المسلمين هم متميزون بالضرورة عقائديا .. فذلك يستوجب – عند هؤلاء الدعاة – أن يتميز المسلمون فى سائر نواحى الحياة .. حتى و إن كان التميز على حساب حقوق يستحقها غير المسلمين .. و هى حقوق استحقوها لكونهم بشرا مثل المسلمين بل و ثبتت بالكتاب و السنة .. فنجد من مقولات سيدنا على الشهيرة:" إن الغنى فى الغربة وطن و الفقر فى الوطن غربة" و يقول أن "المقل غريب فى بلدته" و يقول أيضا للأشتر النخعى واليه على مصر:"الناس صنفان: إما أخ لك فى الدين أو نظير لك فى الخلق فأشعر قلبك الرحمة للرعية و المحبة لهم و اللطف بهم" .. و فى تلك الفترة كانت الأغلبية الساحقة من المصريين غير مسلمة

السبب الثالث: العلمانية .. ذلك الداء العضال .. ثقافة النظام العالمى الجديد و وسيلة جديدة من وسائل الاستعمار .. تلك الأيادى الأجنبية التى تحاول أن تتلاعب ببلادنا .. بتاريخنا و حضارتنا .. فتطمس هويتنا .. فتأتى لتلون بلون العلمانية الكثير من مظاهر حضارتنا و أولها الوطنية و القومية .. و اللتان طالما عاشتا و ترعرعتا فى ظل الإسلام .. خدمتا الإسلام و خدمهما .. فنجد من يظهر ليدافع عن الإسلام فى مواجهة العلمانية فيطعن فى الوطنية و القومية بغض النظر عن أي المفاهيم أصيل و أيها دخيل .. محققين لأعداء البلاد خدمة جليلة .. تلك اللعبة الشهيرة التى طالما لعبها الأعداء و شارك فيها الأصدقاء بحسن نية دون علم و لا روية .. إن أردت أن تكسر الوحدة القومية فالعب على وتر تمايز الأديان (و هناك من ينادى بمواطنين من الدرجة الثانية من غير المسلمين !!) .. إن أردت أن تكسر وحدة الدين فالعب على تمايز المذاهب (و هناك من استفاض و أفاض فى التحذير من خطورة الشيعة الذين هم أشد خطرا من إسرائيل !! .. و متى ذلك؟؟ فى أوج المعركة بين حزب الله و إسرائيل) .. إن أردت أن تكسر وحدة المذهب فالعب على تمايز الأوطان .. و هذه النقطة الأخيرة التى حينما واجهها بعض الذين يبتغون الإصلاح .. أطاحوا بما يسمى بالوطنية محققين خدمة جليلة لغيرهم و هم يظنون أنهم يوحدون و لا يفرقون

العلمانية هى شىء وافد .. طارئ .. و ليست أصيلة أصالة الكثير من المفاهيم التى تحدثنا عنها.. العلمانية أتت محاولة أن تصبغ الكثير من مظاهر حياتنا بصبغتها .. فلا يمكن أن يكون دور أهل الإصلاح فى مواجهة العلمانية هو "بتر" كل ما هو أصيل من أجل ما هو طارئ دخيل .. أو "التخلص" مما خالطه لون العلمانية بغض النظر عن عمقه فى حضارتنا لمجرد لون دخيل أصاب الظاهر ..كالذى يعالج مريضا أصيب فى أصبعه بأن يقطع يد المريض كلها.. و ربما حاول بعضهم أن يتخلص من المريض بالكلية درءا للمرض


وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

الآية 88 سورة هود