Tuesday, February 26, 2008

استئذان

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
كان من المفترض أن يكون موضوع هذه المرة هو عرض لرأى الشيخ الطبيب محمد اسماعيل المقدم فى علاقة الإسلام بالوطنية .. و لكن جدت ظروف جعلتنى أغير الموضوع .. و على العموم .. النقاش مازال مفتوحا فى التعليقات على الموضوع السابق و سوف أظل أتابعه حتى بعد إنزال المواضيع الجديدة
ا
أنا هارغى شوية و هاطول و فى الآخر هاقول إنى هاخد أجازة .. شوية كدة و راجع بإذن الله .. اللى عايز يقرا و يكمل .. يروح الأول يجيب كوباية شاى من القهوة و ييجى يسمع
ا
كل المواضيع التى قمت بكتابتها كانت بمثابة مواجهة لأنفسنا بمشاكلنا .. فأنا أرى أن الكثير من الأزمات التى تمر بها أمتنا نشأت من فهم غير منضبط لإسلامنا العظيم .. ربما يقول بعضكم:"و انت بقى اللى فاهم الإسلام فهم صحيح؟؟" ..هاقول إنى و الله باحاول أفهم ..و كل ما كتبته هو مجرد إشارة منى لمواطن الخلل فى الكثير من القضايا .. قد أكون صحيحا و قد أكون مخطئا .. و لكنى على الأقل حاولت .. و وضحت أماكن التناقض و مواطن الخلل قدر فهمى و قدر استطاعتى .. و كل منا لديه العقل و الإرادة و الضمير الذين يمكنونه من اتخاذ القرار الصائب
ا
كان لا علاقة لى بالتدوين .. كنت أتابع ذلك النشاط فقط كمشاهد من بعيد .. فكنت أظن أنى لا أحمل شيئا جديدا أو ذا قيمة لكى أنشى لأجله مدونة خصوصا فى وجود فطاحل عالم التدوين .. إلى أن تشجعت يوما تحت ضغط الانفعال إلى أن أعلق على مدونة أحد الإخوة معترضا على الطريقة التى عالج بها الموضوع على الرغم من أهمية الموضوع .. و كان عن الحل الإسلامى .. ربما بعضكم يعرف ملابسات الموضوع .. المهم .. يومها طرحت بعض الأسئلة و التى أرى أنها من الأهمية بحيث يجب علينا جميعا أن نعرف إجاباتها .. دار حينها شد و جذب بينى و بين كثيرين .. كانت محصلته ما بين تجاهل و إساءة و سخرية من ناحية (كأن وصفت من أحدهم بأنى أخطر على الدين من المثليات .. أما و قد عرفتمونى.. هل هذا صحيح؟؟)... و بين اهتمام و استحسان و إيجابية من ناحية أخرى.. فقد قام أخى الكريم الباحث عن الحقيقة (و لم أكن أعرف عنه شيئا مطلقا) من نفسه بعرض كل التساؤلات التى أثرتها و أجاب عليها فى تدوينة مستقلة باختصار و روية و تمكن ..و كانت إجابته نافعة جدا جدا بالنسبة لى (خاصة النقطة الخاصة بقراءة التاريخ و اتباع منهج مقارنة النصوص) .. و أجمل ما فى الموضوع أنه اهتم .. نعم اهتم بما أثرته من تساؤلات و هو لا يعرف عنى شيئا .. بل نشر لى رسالة أرسلتها إليه بالبريد .. و قدم أكثر شىء يستطيع تقديمه .. و أعتقد أنه لو كان يستطيع أن يفعل أكثر مما فعل.. لفعل
ا
فى نفس الوقت وجدت الأستاذ عصفور المدينة (الرجل الذى هو من أكثر المدونين إيجابية و لم أكن أعرفه أيضا حينئذ) قد قام بالإشارة فى أحد التعليقات إلى تدوينة كان قد كتبها عن الثوابت و المتغيرات كإجابة على تساؤل من التساؤلات التى أثرتها
ا
أما الأخت الفاضلة فتاة الجنة (و هى التى أنا مقصر فى حق مدونتها بشدة و أرجو أن تعذرنى على ذلك .. و أرجو أن يخبرها أحدكم بهذه التدوينة فأنا سأشعر بالحرج من دعوتها بعد هذه الفترة من الانقطاع) فقد قالت فى حقى قولا جميلا .. كانت كلمات موضوعية يدور معناها حول "و جادلهم بالتى هى أحسن" .. كل ذلك حمسنى أن أتابع المدونات المختلفة بحماس متزايد
ا
إلى أن جاء اليوم الذى فتحت فيه بريدى الإلكترونى ووجدت رسالة من أخى الباحث عن الحقيقة يدعونى فيها إلى مشاركته فى مدونته .. كانت سعادتى غامرة .. يعنى ماكنتش مصدق نفسى من الآخر .. و ظللت أقرأ الرسالة عدة مرات .. و بدأت معه التدوين ..و فوجئت بشخصبة الباحث عن الحقيقة الرائعة .. كان شخصا يحترم "الآخر" بشكل كبير .. كان لا يقاطعنى إذا تكلمنا على "الشات" .. و كان يستمع منى و يهتم لما أقول .. و يسدد النصح بإخلاص .. و كان متحمسا بشكل كبير .. استفدت منه كثيرا .. قدمنا الكثير من الموضوعات .. كانت له روحا عالية .. بل كان هو الذى يبعث الروح فى المدونة على عكسى تماما .. فأنا ممل بشكل كبير و غير جذاب و ربما منفر فى بعض الأحيان .. ربما بسبب طبيعة دراستى .. و كم قلت له أنه هو روح المدونة .. و لكن من عادة الروح .. أنها تحلق فوق عوالم البشر .. تتحرك جامحة بحرية .. تعلو و تهبط .. ننتظرها أن تعود إلينا يوما لتبعث فينا الحيوية و البهجة
ا
كانت الموضوعات التى كتبتها هدفها الأول هو محاولة لتوضيح بعض الأساسيات و بعض المبادئ العامة .. و أيضا التركيز على الكثير من المشكلات التى لمستها فى حياتى و بين زملائى .. كان هدفى أن نضع يدنا على المشكلة .. فقد كنت أتوجه بما أكتب إلينا .. نعم .. كنت أتوجه إلينا .. إلى الشباب من بنى وطنى و دينى ممن يحملون هم هذه البلاد و هم هذا الدين.. خاصة الذين يكتبون على مدوناتهم مواضيع دينية .. كنت أحاول ألا نقطع جذع الشجرة التى نحن واقفون عليها كأن ننكر تاريخنا و تراثا إلا ما رحم ربى .. فذلك للأسف ما يقوم به الكثير من الناس .. من يرفضون التاريخ و التراث إلا برؤيتهم هم فقط و من دونهم خاطئ.. و يرون أن التاريخ بدأ من نقطة محددة لاغيا كل ما قبله .. و كأن تاريخنا وزر .. يأتى الإسلام فيجب ما قبله من تاريخ و من أوزار (مع أن الفراعنة من أوائل من عرفوا التوحيد .. هناك من عرفه وحيا ..و هناك من عرفه عقلا .. هناك من آمن .. و هناك من كفر) .. و يرون أن التاريخ يسير فى مسار هم حددوه من قبل .. و ما دون هذا المسار يعد بدعا و ضلالات .. لا يوجد إلا فرقتهم هى فقط الناجية .. و هم فقط الذين يعرفون ثوابت الشرع .. و هم أهل التميز و العقل و من دونهم هم الدرجة الثانية .. الاجتهاد هو فقط اجتهادهم و هم أفقه الناس بالنصوص .. رأيهم صواب لا يحتمل الخطأ و رأى غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب .. أعتذر عن هذه الكلمات الشديدات .. و لكنى استمعت مؤخرا إلى أحد الدروس و التى وظف الرجل فيها كل ملكاته ليحذر الناس من أباطيل حجة الإسلام أبى حامد الغزالى .. الغزالى العالم الذى اتفق جمهور الأمة على أنه مجدد المائة الخامسة مثلما اتفقوا على أن مجدد المائة الأولى هو سيدنا عمر بن عبد العزيز و مجدد المائة الثانية هو الإمام الشافعى و اختلفوا على غير هؤلاء الثلاثة.. بل هو العالم الوحيد فى تاريخ الإسلام الذى أطلقوا عليه أنه "حجة الإسلام" .. و يا ليت هذا الداعية الحنبلى اقتدى بابن الجوزى الحنبلى .. الذى كان من أشد الناقدين للغزالى و مع ذلك اختصر و هذب كتاب الغزالى "إحياء علوم الدين" فى كتاب "منهاج القاصدين" و بهذه الإيجابية كذلكم كان بن تيمية الحنبلى و الطرطوشى المالكى
ا
إخوانى .. لم أدع يوما أنى الصاحب الأوحد للحق .. و إن كنت ادعيت أنى صاحب حق فلم أقل أنى الصاحب الأوحد له و غيرى باطل .. فأنا لست صاحب فكر أو رؤية مستقلة .. فذلك يستهلك عشرات السنوات.. أنا مجرد شخص عادى .. أقرأ و أستوعب و أفكر .. و فى النهاية أكتب بغرض الإشارة إلى جوانب أراها صحيحة .. و أخشى أن أكون مخطئا .. لذلك أستغرب ممن يستيقنون أنهم على الصواب الأوحد فى أمور هى من أمور الحياة و التى يحتمل الصواب فيها أكثر من وجه ناهيكم عن الاختلاف فى أمور الدين الفروعية (لتجد عبارة "هذا اختلاف غير سائغ" موجهة كسلاح إليك) .. و الطامة الكبرى تكون فى الاختلاف حول أمور الأصول (لتجد عبارات الذم و التهديد و الحدة و ربما تهم الابتداع و حينا آخرا التكفير)ا
ا
كلمة أخيرة .. أحب أن أوجه كل تحياتى و تقديرى للأستاذ عصفور المدينة .. ذلك الرجل .. السلفى المستنير .. الإيجابى .. الذى يكتب ليربى و يوجه .. و يحسن معاملة الناس .. و كأنه أب يربى أبناءه بالحسنى و الحكمة و الموعظة الحسنة .. لك منى يا أستاذنا كل احترام و تقدير
ا
كل ما سبق كان من قبيل استرجاع بعض الأحداث المثيرة فى الفترة السابقة .. إيذانا فى الدخول فى أجازة لن تستمر طويلا بإذن الله .. و سيكون معكم أخى الرائع الباحث عن الحقيقة .. بعض التفاصيل ستجدونها على الاستراحة
ا
أما بخصوص موضوع الشيخ محمد اسماعيل المقدم .. فمنذ أن بدأت كتابة ذلك الموضوع منذ شهور و أنا متردد فى نشره .. لا أدرى بوضوح لماذا.. و لما أخذت قرارى بأن أنشره ظهرت الموانع تلو الموانع .. و لا أدرى هل سأنشره يوما ما أم لا .. و لكن حتى ذلك الحين كنت أود أن يقرأه من اهتم بالعرض الذى قمنا به فى موضوع الوطنية .. فلا أدرى هل أرسله للمهتمين عن طريق البريد الإلكترونى ؟؟ .. حسنا .. جاءتنى فكرة .. سوف أرسله مبدأيا لكل من سوف يشرفنا بالتعليق على هذا الموضوع حتى و إن لم يطلب .. سوف أذهب إلى مدوناتكم و أحصل منها على عناوينكم الإلكترونية .. و من يريد أن يحصل على الموضوع و فى نفس الوقت هو لا يضع عنوانه الإلكترونى على مدونته و لا يريد لأحد أن يعرف عنوانه .. فليراسلنى على عنوانى التالى
Ebn.7ajar.al3asqalani@gmail.com
أما من لا يريدنى أن أرسل له الموضوع فليقل لى تصريحا أو تلميحا و أنا سوف أفهم طلبه و أتفهم رغبته
ا
فى النهاية .. أود أن أوضح عنى بعض المعلومات: فى أمور السياسة و المجتمع فأنا لست إخوانيا (بل أنا لست إخوانيا على الإطلاق).. فى أمور الفكر و الدعوة فأنا لست سلفيا (سلفي بمعنى تبنى الفكر الحالى للتيار السلفى) .. فى صفات الله و تأويلها فأنا لست أشعريا (ربما ظن البعض أنى كذلك لدفاعى عن التأويل) ..أردت بذلك فقط التوضيح لأنى شعرت من البعض فى تعليقاتهم أنهم يظنون أنى أنتمى لفئة من هذه الفئات.. و لجميع هؤلاء احترامى و تقديرى
ا
و أراكم فى التعليقات على خير
ا
يا ترى .. ماحدش فيكم سأل نفسه أنا ليه سميت نفسى على اسم العالم الجليل الحافظ بن حجر العسقلانى ؟؟ لو حد كان فكر فى سبب ياريت يقوله يا جماعة

Monday, February 18, 2008

الوطن .. و توضيح المفاهيم

الوطن .. و توضيح المفاهيم


قبل أن أبدأ .. أحب أن أحيى من كل قلبى منتخبنا الوطنى على إنجازه الرائع فى بطولة الأمم الأفريقية. فقد كان دقة التنظيم و حسن الإدارة و الأداء الجماعى المتكامل و التفاهم و الإصرار على الفوز و الإيجابية و التفانى و جمال اللعب و حسن الأداء.. كل هذا بالإضافة إلى أهم نقطة و هى التفاف جميع أفراد الشعب المصرى و الشعوب العربية بل و بعض المشجعين الأفارقة حول المنتخب المصرى .. ناسين ما بينهم من شحناء و بغضاء .. و مجتمعين حول المباريات واصلين الرحم داعين الله بالتوفيق و الفوز .. و لم تتوقف شفاه أحدهم عن الاستغفار أو الدعاء .. كل هذا يعد من الإيجابيات و التى أظن أنها غابت عن كثيرين

لقد وحدت الرياضة بين جموع غفيرة متمايزة و مختلفة .. و تسببت فى موجة عارمة من الفرحة لم تترك أحدا إلا و أبهجته.. لقد نجحت الرياضة في ما عجزت عنه السياسة .. لقد نجحت الرياضة في ما عجزت عنه النخبة .. لقد أنجزت الرياضة ما فشل فى تحقيقه زعماء و مفكرون و دعاة

و بالرغم من أنى "زملكاوى" إلا إنى أخص بالتحية و التقدير اللاعب الخلوق "أبو تريكة" و خصوصا بعد حصوله على أشرف إنذار يمكن أن يحصل عليه لاعب كرة قدم .. و على مبادرته بجمع تبرعات من باقى أعضاء الفريق الوطنى لبناء مسجد للمسلمين فى غانا .. تلك الأحداث التى لم يذكرها البعض فى التعليق على البطولة باعتبار أن هذه البطولة لم تقدم للإسلام شيئا ذا قيمة و اكتفى بالنظر إلى الجزء الفارغ من الكوب غاضا النظر عن روح التدين العميقة و الطبيعية و الغير مفتعلة لكل أفراد الفريق و التى قدمت الإسلام فى صورة حضارية جميلة لملايين المتابعين للبطولة .. و كأن الإسلام من وجهة نظرالبعض يجب أن يقدم للآخرين فقط فى صورة خطبة أو درس أو مناظرة على مرأى من الأعيان .. أو ربما عن طريق فتح بالسيف و السنان

نعود إلى موضوعنا

كنا ننوى أن نقدم هذه المرة عرضا لرأى الشيخ الطبيب محمد اسماعيل المقدم فيما يتعلق بأمر الوطن و متعلقاته .. و لكن بعد متابعة التعليقات على الموضوع السابق .. أصبح من الأفضل تأجيل ذلك الموضوع للتدوينة القادمة .. و تقديم تدوينة توضح المفاهيم الدائر حولها الحوار قبل أن نخطو خطوة أخرى

فى قضيتنا هذه نجد أن لدينا ثلاثة كلمات .. هم: "الوطن" و "الوطنية" و "المواطنة" .. لكل واحدة مفهوم سيتضح من الآتى

فى البداية نود أن نشير أن هذه المفاهيم هى مفاهيم حضارية إنسانية نشأت و تكونت نتيجة لتطور العمران البشرى على مدار التاريخ .. هذه المفاهيم قديمة النشأة تكونت بشكل أو بآخر قبل الإسلام .. و حينما أتى الإسلام أقرها كما أقر غيرها من ميراث الأمم السابقة بعد الضبط و التهذيب

و أود أن أقول أن قصر التعامل مع أمور الوطن و متعلقاته على زاوية نظر واحدة و هى زاوية النظر من خلال العقيدة فذلك أمر شديد المخالفة لطبائع الأمور .. فقضية الوطن و متعلقاته هى قضية من قضايا "الهوية" .. و الهوية تقوم على أركان كثيرة منها عوامل الجغرافيا و عوامل التاريخ و عوامل اللغة و عوامل الدين الذى هو عقيدة و شريعة و أخلاق .. فنجد أن العقيدة هى عامل من ضمن عوامل كثيرة جدا تدخل فى تكوين هوية الفرد

و الآن .. لنتأمل أولى هذه الكلمات .. لو تأملنا كلمة "الوطن" فإننا نجد أن الوطن لغة هو: المنزل الذى يمثل موطن الإنسان و محله .. و لكن الوطن كمفهوم حضارى يعبر عن معانى أكثر من ذلك .. فالإنسان كما يعيش على أرض .. فإنه يسعى لتحقيق حاجاته الأساسية التى يستغل فيها موارد بيئته .. و لا يستطيع أن يقوم بذلك منفردا لذلك وجب عليه الانتماء لجماعة .. أدى ذلك لوضع ظوابط و قواعد تحكم علاقات أفراد هذه الجماعة .. لذلك وجب أن تتواجد فئة بيدها الأمر و النهى .. كل هذه المنظومة تتحرك لتحقيق رفاهية أصحابها لذلك يمكننا أن نقول أن الوطن باختصار شديد هو ترتيب يقوم أصحابه الذين يعيشون فى بيئة مشتركة بالتعاون لاستغلال الموارد المتاحة و يضمنون به تحقيق حقوقهم و واجباتهم و ذلك لتحقيق الرفاهية فى المعيشة و ذلك هو عين إعمار الأرض الذى يطالبنا به الله عز و جل


أما الوطنية فهى: المشاعر و الروابط الفطرية و التى تنمو بالاكتساب لتشد الإنسان إلى الوطن الذى استوطنه و توطن فيه

و أخيرا المواطنة .. فهى من المفاعلة .. فهى مشاركة .. بمعنى المشاركة فى تأدية الحقوق و الالتزام بالواجبات من الأفراد تجاه هذا الوطن


الوطن هو كيان تعيش فيه .. الوطنية هى وجدان الناس .. المواطنة هى التساوى فى الحقوق و الواجبات

الوطن هو ترتيب على أرض .. الوطنية هى ترتيب فى النفوس .. المواطنة هى ترتيب يضبط تفاعلات الناس

الوطن منظومة .. الوطنية مشاعر .. المواطنة مشاركة


هذه المفاهيم ليست بغريبة عن الإسلام كما يدعى البعض.. بل نجد أن مصطلح "الديار" هو المكافئ تماما لمصطلح "الوطن" و قد ترتب عليه من الحقوق و الأحكام (أى المواطنة) ما هو عظيم.. فنجد الآية 30 سورة الأنفال التى تقول:"وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" فإن فيها الإخراج من الديار معادل للقتل

أما الآيتان 8 و 9 من سورة الممتحنة و اللتان تقولان:" لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" فإنهما عمن لا تجوز موالاتهم و هم ثلاث فئات (أ) الذين يقاتلون المسلمين فى الدين
(ب) الذين يخرجون المسلمين من ديارهم (ج) الذين يظاهرون و يساعدون على إخراجهم .. ثلاثة شروط منهم اثنان لهما علاقة مباشرة بالوطن ..
ثلثى أسباب الموالاة و المعاداة هى أسباب وطنية

و الكثير و الكثير من الآيات مثل الآية 66 سورة النساء و الآيتين 243 و 244 سورة البقرة و الآيتين 39 و 40 سورة الحج

و الآن و بعد وصولنا إلى هذه النقطة نجد أن هناك تساؤلا يطرح نفسه ..و هو .. القائلون بأن الوطنية معناها الارتباط بالوطن دون النظر إلى الدين .. من أين جاءوا بهذا التعريف ؟؟ و القائلون بأن الوطن هو قطعة من الأرض خط حدودها أعداء الإسلام .. إلى أى مدى يقارب هذا التعريف طبائع الأمور ؟؟

فى رأيى .. أعتقد أن موقف هؤلاء الدعاة من هذه المفاهيم هو موقف مجاوز للصواب .. و أظن أن أسباب رفض هؤلاء الدعاة لهذه المفاهيم يمكن حصرها فى الأسباب التالية


السبب الأول: اختلاف تعريفات هذه المفاهيم عند هؤلاء الدعاة و الشيوخ عنها عند سائر الناس .. و هنا يظهر تساؤل و هو ما الدافع الذى تسبب فى استحداث مفاهيم جديدة لمصطلحات هى موجودة أصلا ؟؟ و من الملاحظ أن ذلك أمر متكرر كثيرا


السبب الثانى: هذه المفاهيم حينما تكون فاعلة و مؤثرة فإنها تحقق قدرا من التناغم و التساوى فى مظاهر الحياة فى أى مجتمع بين أفراده.. و هو ما يعد مرفوضا عند هؤلاء الدعاة .. انطلاقا من أن المسلمين هم متميزون بالضرورة عقائديا .. فذلك يستوجب – عند هؤلاء الدعاة – أن يتميز المسلمون فى سائر نواحى الحياة .. حتى و إن كان التميز على حساب حقوق يستحقها غير المسلمين .. و هى حقوق استحقوها لكونهم بشرا مثل المسلمين بل و ثبتت بالكتاب و السنة .. فنجد من مقولات سيدنا على الشهيرة:" إن الغنى فى الغربة وطن و الفقر فى الوطن غربة" و يقول أن "المقل غريب فى بلدته" و يقول أيضا للأشتر النخعى واليه على مصر:"الناس صنفان: إما أخ لك فى الدين أو نظير لك فى الخلق فأشعر قلبك الرحمة للرعية و المحبة لهم و اللطف بهم" .. و فى تلك الفترة كانت الأغلبية الساحقة من المصريين غير مسلمة

السبب الثالث: العلمانية .. ذلك الداء العضال .. ثقافة النظام العالمى الجديد و وسيلة جديدة من وسائل الاستعمار .. تلك الأيادى الأجنبية التى تحاول أن تتلاعب ببلادنا .. بتاريخنا و حضارتنا .. فتطمس هويتنا .. فتأتى لتلون بلون العلمانية الكثير من مظاهر حضارتنا و أولها الوطنية و القومية .. و اللتان طالما عاشتا و ترعرعتا فى ظل الإسلام .. خدمتا الإسلام و خدمهما .. فنجد من يظهر ليدافع عن الإسلام فى مواجهة العلمانية فيطعن فى الوطنية و القومية بغض النظر عن أي المفاهيم أصيل و أيها دخيل .. محققين لأعداء البلاد خدمة جليلة .. تلك اللعبة الشهيرة التى طالما لعبها الأعداء و شارك فيها الأصدقاء بحسن نية دون علم و لا روية .. إن أردت أن تكسر الوحدة القومية فالعب على وتر تمايز الأديان (و هناك من ينادى بمواطنين من الدرجة الثانية من غير المسلمين !!) .. إن أردت أن تكسر وحدة الدين فالعب على تمايز المذاهب (و هناك من استفاض و أفاض فى التحذير من خطورة الشيعة الذين هم أشد خطرا من إسرائيل !! .. و متى ذلك؟؟ فى أوج المعركة بين حزب الله و إسرائيل) .. إن أردت أن تكسر وحدة المذهب فالعب على تمايز الأوطان .. و هذه النقطة الأخيرة التى حينما واجهها بعض الذين يبتغون الإصلاح .. أطاحوا بما يسمى بالوطنية محققين خدمة جليلة لغيرهم و هم يظنون أنهم يوحدون و لا يفرقون

العلمانية هى شىء وافد .. طارئ .. و ليست أصيلة أصالة الكثير من المفاهيم التى تحدثنا عنها.. العلمانية أتت محاولة أن تصبغ الكثير من مظاهر حياتنا بصبغتها .. فلا يمكن أن يكون دور أهل الإصلاح فى مواجهة العلمانية هو "بتر" كل ما هو أصيل من أجل ما هو طارئ دخيل .. أو "التخلص" مما خالطه لون العلمانية بغض النظر عن عمقه فى حضارتنا لمجرد لون دخيل أصاب الظاهر ..كالذى يعالج مريضا أصيب فى أصبعه بأن يقطع يد المريض كلها.. و ربما حاول بعضهم أن يتخلص من المريض بالكلية درءا للمرض


وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

الآية 88 سورة هود

Tuesday, January 29, 2008

الوطن .. و تحديد المشكلة

ا"ما يسمى بالمواطنة مخالفة شرعية جسيمة و لا تمت للإسلام بصلة"ا أحمد عبد الرحمن النقيب
ا


ا"دماؤهم كدمائنا و لهم ما لنا و عليهم ما علينا"ا سيدنا على رضى الله عنه متحدثا عن أهل الكتاب
ا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ا
ا"لكن الوطن الحقيقي في مفهوم الهوية الإسلامية هو الجنة"ا محمد اسماعيل المقدم
ا
ا"من يتعد حدود الجغرافيا فقدْ فقدَ التاريخ"ا جمال حمدان
ا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ا
ا" الوطنية معناها الارتباط بالوطن دون النظر إلى الدين "ا أحمد عبد الرحمن النقيب
ا
ا" فالوطنية لم تخرج عن أنها جزء من تعاليم الإسلام "ا حسن البنا
ا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ا
ا"لقد قال رسول الله : ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) , فكم تساوي نسبة (الوطن ) من جناح البعوضة ؟"ا محمد اسماعيل المقدم
ا
ا"إن نظام الدين لا يصلح إلا بنظام الدنيا فنظام الدين بالمعرفة و العبادة لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن و بقاء الحياة و سلامة قدر الحاجات من الكسوة و المسكن و الأقوات و الأمن فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق هذه المهمات الضرورية. إن نظام الدنيا شرط لنظام الدين"ا أبو حامد الغزالى
ا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ا
ا"لا بد أن تنبهوا إخوانكم و معارفكم و أقاربكم إلى أن ما يسمى بالمواطنة خطر على الإسلام و المسلمين"ا أحمد عبد الرحمن النقيب
ا
ا"على الكافة بذل الجهد لطمأنة المسيحيين على حقوقهم داخل الجماعة الوطنية و إمكانيات التحقيق الأمثل لذلك بالتفاهم المتبادل و التفاعل الخصب"ا طارق البشرى
ا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ا
ا"وحينها إما أن تسيس حركات ( الدعوة السلمية ) التي تسير في قنوات الجاهلية الشرعية وبالتالي تسلك السبل التي تضلها عن الصراط المستقيم فتتبنى خطابا مَدَنِيّا ، وتراعي حق ( الآخر ) الذي لا يرضى أبدا أن يكون مواطنا من ( الدرجة الثانية ) كما أمر الله ورسوله"ا محمد جلال القصاص
ا
ا"ممارسة الآخرين لحقوقهم و حرياتهم ينبغى ألا تتم فى إطار العطف و إحسان الأغلبية إلى الأقلية لأنهم لم يكتسبوا تلك الحقوق انطلاقا من مودة الأغلبية و مشاعرهم الخيرة إنما اكتسبوها بمقتضى ما هو مقرر و ثابت فى كتاب الله سبحانه و تعالى"ا فهمى هويدى
ا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ا
ا" ولذلك عندما تدرس أي مذهب هدام انتشر في بلدان المسلمين كـالقومية أو الشيوعية أو الوطنية أو زمالة الأديان أو المذاهب الأدبية الهدامة أو الدعوة لتحطيم اللغة العربية، تجد أنها نشأت في الأصل من اتصال وثيق بين مرتدين وكفرة يعيشون بين المسلمين وبين الكفرة في بلدان الكفار "ا محمد صالح المنجد
ا
ا" و إذا كانت [اللغة] العربية و تراثها النثرى و الشعرى قد عرفت مصطلح "الوطن" منذ فجر هذا التراث فإن القرآن الكريم يلفت أنظارنا إلى أن [اللغة] العربية تعبر عن الوطن أيضا بصطلح الديار "ا محمد عمارة
ا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ا
ا" وكذلك من الأفكار الهدامة أيضاً: الدعوة إلى الوطنية، وهي تقديس الوطن بحيث يصير الحب فيه، والبغض لأجله، والقتال من أجله، وإنفاق الأموال من أجله، حتى يطغى على الدين، وتحل الرابطة الوطنية محل الرابطة الدينية، وهذه أيضاً الدعوة من الدعوات الكفرية الإلحادية التي يقصد بها تمزيق العالم الإسلامي إلى قطع، يتعصب كل أصحاب أرض لأرضهم فيحصل الشقاق والتباعد بين أبناء المسلمين "ا محمد صالح المنجد
ا
ا" و كما جعل الإسلامُ الوطنية التى تحفظ استقلال الوطن قرينَ الحياة و معادلها .. كذلك جعل هذه الوطنية قرين حرية الدعوة إلى الدين "ا محمد عمارة
ا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ا
ا" عندما ننظر فى الدعوات نجد هناك الدعوة الماسونية و الروتارى و القومية و نجد هناك الدارونية و نجد هناك دعوة جديدة مستحدثة تسمى بالوطنية "ا أحمد عبد الرحمن النقيب
ا
ا" كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملا و عفرا تستنشقه "ا الجاحظ
ا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ا
ا" أريد أن أنبه إلى خطورة بعض ما يحاك للمسلمين و أقول لا سيما فى بلدنا و عندما أقول بلدنا لا أقصد المنصورة و لكن بلدنا مصر لأن المخططات تتوالى على هذه الديار "ا أحمد عبد الرحمن النقيب
ا
فى العبارة السابقة استخدم الشيخ أحمد عبد الرحمن النقيب مصطلح "الديار" مكافئا لمصطلح "البلد" الذى هو مرادف بشكل أو بآخر لمصطلح "الوطن" و ذلك حينما تطرق بالحديث إلى "مصر" .. و هى المصطلحات التى تعبر عن مفاهيم رفضها هو و غيره فيما بعد كما هو واضح من العبارات
ا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ا
ملاحظات مهمة
---------
ا

أولا: لا يخلوا التيار السلفى من أهل رأى يرون أن الوطنية أمر إيجابى نافع و ضرورى مثل ما نرى فى هذه الصفحة و هذه أيضا
ا
ثانيا: هذا المقال هو بهدف توضيح مقدار اتساع الهوة و أيضا بغرض بلورة نقاط الخلاف بين كبار دعاة التيار السلفى و بين الكثير من المفكرين حول أمور الوطن و الوطنية و المواطنة
ا
ثالثا: لم أرغب أن أرد على مقولات الدعاة السلفيين بآيات أو أحاديث نبوية – على كثرتهما – لسببين .. الأول هو أنى أردت أن يكون الموضوع فى صيغة "آراء رجال فى مواجهة آراء رجال".. الثانى هو أن عدم الاستعانة بآيات أو أحاديث يسمح بمساحة واسعة للاختلاف دون خوف من معارضة رأى أحد المخالفين لآية أو لحديث ظننت أنا أنهما يدعمان فكرتى .. و حتى لا يتحول الحوار فيما بعد لصراع "أيات و أحاديث فى مواجهة آيات و أحاديث" .. و لكن بإذن الله سيكون هناك بعض الآيات و الأحاديث فى التدوينات القادمة بهدف توضيح الأفكار و إثباتها
ا
رابعا: هذه التدوينة هى مقدمة لتدوينة أو عدة تدوينات قادمة إن شاء الله .. لا أدرى عددها حتى الآن .. نتناول فى واحدة منهم رأى الشيخ الطبيب محمد اسماعيل المقدم فى تلك القضية و ذلك بناءا على ما كتبه فى كتاب بعنوان "الهوية الإسلامية" فى فصل بعنوان "علاقة الهوية الإسلامية بالوطنية" .. و قد آثرنا أن نحدد شخصا بعينه و موضوعا بعينه لنتناقش حولهما و ذلك استجابة للأستاذ عصفور المدينة .. و هو المطلب الذى طلبه منا مرارا و تكرارا بتحديد شخص معين و موضوع معين
ا
خامسا: مقولات الشيخ أحمد عبد الرحمن النقيب مأخوذة من درس له بعنوان "المواطنة ... احذر وانتبه !!!" .. و مقولات الشيخ الطبيب محمد اسماعيل المقدم مأخوذة من محاضرة له بعنوان "هويتنا أو الهاوية" و هى محاضرة أخرجها فى كتاب له بعنوان "الهوية الإسلامية" و هو كتاب طبعته مكتبة "ابن الجوزى" الموجودة بـ"درب الأتراك" فى حى الحسين .. و هو مكرر تقريبا (إلا أجزاء بسيطة و لكنها مهمة) فى درس صوتى له بنفس العنوان .. و مقولة محمد جلال القصاص مأخوذة من مقال بعنوان "من أوصاف الجاهلية" .. و مقولات الشيخ المنجد مأخوذة من مقال بعنوان "خطورة الولاء الفكرى لأعداء الله" .. هذا لمن أراد أن يستوثق

Friday, January 18, 2008

الأحجار





ذات صباح خرج من بيته نشيطا سائرا فى طريقه المعتاد. جذب انتباهه حجر غريب ملقى على الأرض فأسرع و التقطه. ظل يتأمله معجبا بشكله المتناسق فاحتفظ به و سار مكملا طريقه. لم يلبث أن وجد حجرا آخرا فأعجب به أيضا. سارع و حمله الى جانب الآخر. ظل يسير على طريقه بعض الوقت حتى التفت الى حجر أجمل مما يحمل بل و أكبر أيضا. تأمله لفترة ثم حمله بجانب السابقين و سار و هو سعيد. توالت فى طريقه الأحجار الغريبة و الجذابة, الكبيرة و الصغيرة. حدثته نفسه بأن هذا يوم سعده فقد حملها كلها بين يديه و سار بها متمهلا لئلا يسقط منها حجر واحد. عدة خطوات أخر و صادفه حجر آخر أكبر و أجمل و تمنى لو حمله بجانب باقى الأحجار و لكنه لم يجد فراغا على ذراعيه ليحمله, فسارع إلى خرقة بالية كانت ملقاة على جانب الطريق فاستعملها لحمل الأحجار مضافا إليها الحجر الجديد. زادت سعادته حينما وجد كومة من الأحجار التى لم ير لها مثيلا من قبل ملقاة على جانب الطريق فلم يتردد فى حملها إلى جانب ما سبقها فى ما تبقى من فراغ فى خرقته البالية. حدثته نفسه بأنه يجب أن يحصل على جوال مناسب يمكنه من حمل أحجاره بشكل سليم, فقد سقطت منه عدة أحجار أثناء سيره حتى مع تباطؤه فى السير و بذل مجهودا مضاعفا ليستعيدها مرة أخرى. يالحظه! فها هو السوق, يمكنه الآن شراء جوال كبير. تمكن بالفعل من الحصول على واحد متسع بحبل طويل ليحمله على ظهره. أفرغ فيه كل ما جمع من أحجار. فبدون هذا الجوال ما كان ليتمكن من حمل الحجر الجديد الذى صادفه أثناء خروجه من السوق, و لما استطاع حمل الحجرين المتماثلين الضخمين الذين لاقاهما بعد عدة خطوات, و لا الكومة الأخرى من الأحجار المتداخلة التى أذهلته و هى ملقاة على جانب الطريق, و لا استطاع حمل الحجر الهندسى الشكل الذى استعان بأحد المارة لحمله عليه. فقد بدأت الحمولة تثقل عليه مرغمة إياه تباطؤا على تباطئه, و انحناءا على انحنائه. فقد كاد انحناء ظهره و انخفاض جبهته أن يلهياه عن ذلك الحجر الملون الملقى إلى جانب الطريق و الذى ظل يتأمله وقتا طويلا تحت وطأة الحمولة الثقيلة انتظارا لأحدهم حتى يحمله عليه. لم يهتم بالآثار الشديدة التى تركها الحبل على يديه جراء الحمولة الثقيلة التى على ظهره. فقد بدأ الحبل فى التمزق و الانفلات فانتابه رعب شديد من سقوط هذه الحمولة على الأرض, فقد كانت بالنسبة له أقيم من أن يدعها على الأرض و لو للحظة. أسرع قدر استطاعته إلى أحد الحدادين القريبين منه و استبدل ببقايا الحبل سلسلة حديدية باذلا مجهودا خارقا ألا تلمس حمولته الأرض. حالة السعادة التى كان عليها إثر إضافة الحجر الشفاف الضخم الذى وجده بعد خروجه من عند الحداد إلى مجموعته أنسته أنين مفاصله التى كان صراخها قادر على نفض خلايا مخه نفضا. انتصف النهار و تربعت الشمس الحارقة فى وسط السماء, و لكنها لم تفلح فى اختراق حالة النشوى التى اعترته بعد ما ألقى أحد المارة بحجر ثقيل على حمولته استجابة لرجاءاته و توسلاته لإضافة هذا الحجر إلى مجموعته فقد استعجب ذلك الرجل لمشهد الجوال الضخم المشدود بالسلاسل إلى شخص يئن تحته و لا يكاد يستطيع أن يرفع قدما ليخطو خطوة. استحسن من نفسه أنه كان قد تخلص من نعله بعد إضافة مجموعة من الأحجار كان قد صادفها منذ لحظات فقد كان عليه أن يخوض فى صحراء نهاية المدينة ليحصل على ذلك الحجر الذى يكاد يضىء تحت ضوء الشمس. فقد كانت قدمه العارية تغوص فى الرمال مع كل خطوة يخطوها و يبذل مجهودا مضاعفا ليرفع قدمه المغروسة فى الرمال. و لما وصل إلى الحجر ظل واقفا فى هذه الصحراء حتى قاربت الشمس على المغيب لعل أحدهم أن يأتى فيساعده على حمل هذا الحجر إلى مجموعته. وصل أحد البدو فساعده على إضافة الحجر حيث يريد بعد أن اعتلى البدوى ظهر الجمل الذى كان يركبه ليتمكن من تثبيت الحجر الجديد حتى لا يقع بسهولة جراء الاهتزاز العنيف الناشئ عن خطواته المتهالكة. كان عليه أن يخوض الرمال عائدا إلى المدينة التى عاد إلى طريقها الصلب و كان القمر قد توسط السماء. لم يلبث أن انعطف فى أحد الطرق بعد مجهود جبارليحول دون سقوط الحمل من على ظهره حتى وجد بركة من مياه تسربت من أحد المنازل و قد ألقى فيها بحجر لم ير له مثيل. فقد جن جنونه, و خاض البركة منتظرا أحدهم ليحمل عليه الحجر إلى جانب مجموعته. انتظر كثيرا, فقد أمسى لا يتمكن من النداء بصوت عال ليستدعى أحد سكان المنزل حتى يخرج إليه. ظل منتظرا طويلا حتى كادت عظامه أن تنهار تحت وطأة الحمل الرهيب, و لكن مشهد الحجر وسط بركة المياه أطار صوابه. و لم يلبث أن قطع حبل تأملاته رجل خرج لتوه من المنزل, فطلب منه أن يحمل عليه ذلك الحجر. و بعد سيل من توسلاته و استغراب صاحب المنزل استجاب أخيرا. فحمل الحجر بين يديه و اعتلى سطح منزله ليتمكن من إضافة الحجر على قمة مجموعة الأحجار التى انتظر صاحبها بفارغ الصبر وضعه على ظهره. و لم يكد الحجر أن يوضع على ظهره حتى اضطرب جسده اضطرابا شديدا, و ارتعدت فرائصه, و اهتزت قوائمه بشدة. و فجأة انهارت مقاومة جسده و سقط الحمل عليه و انسحق تحته.






السبت الحادى و العشرون من أكتوبر 2006
الساعة الحادية عشرة ليلا
ليلة التاسع و العشرين من رمضان 1427

Sunday, January 6, 2008

الخير .. يجرى فى دماء المسلمين

صادفت فى أحد الكتب نماذج متميزة و نادرة لأعمال الخير التى قام بها المسلمون عبر تاريخنا السابق .. فشىء طبيعى جدا أن نجد النزعة الخيرة داخل المسلم تدفعه إلى إخراج صدقة أو بناء مسجد أو قضاء دين أو ما إلى ذلك من أعمال.. و لكننا نجد أحيانا الكثير و الكثير من الأعمال الخيرية الفريدة و التى تدل على وعى عال بما يسمى "التكافل الاجتماعى" و نجد حالة إنسانية عالية لدى المسلمين فى مؤازرة بعضهم البعض بأعمال على درجة عالية من الإحساس و الخيرية و الإيجابية

النماذج التالية هى نماذج لمؤسسات خيرية و أوقاف أسسها و وقفها أصحابها لتحقيق أغراض غير عادية .. غريبة و طريفة .. و لكنها مهمة .. فمن هذه النماذج

مؤسسات لتزويج الشباب و الفتيات العُزّاب ممن تضيق أيديهم أو أيدى أوليائهم عن نفقات الزواج و تقديم المهور

مؤسسات لإمداد الأمهات بالحليب و السكر. و قد كان من مبرات صلاح الدين أنه جعل فى أحد أبواب القلعة - الباقية حتى الآن فى دمشق - ميزابا يسيل منه الحليب و ميزابا آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر. تأتى الأمهات يومين فى كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن و أولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب و السكر

و هناك مؤسسات لتحسين أحوال المساجين و رفع مستوى تغذيتهم بالغذاء الواجب

و مؤسسات لإمداد العميان و المقعدين بمن يقودهم و يخدمهم

و من الأوقاف الخيرية ما يسمى بـ"وقف الزبادى" للأولاد الذين يكسرون الزبادى و هم فى طريقهم إلى البيت فيأتون إلى هذا الوقف ليأخذوا زبادى جديدة بدلا من المكسورة ثم يرجعوا إلى أهليهم كأنهم لم يصنعوا شيئا

و مؤسسات أقيمت لعلاج الحيوانات المريضة أو لإطعامها أو لرعايتها حين عجزها

و هناك أوقاف مثل "وقف الأوانى المكسورة" و هو وقف تشترى منه صحاف الخزف الصينى. فكل خادم كسرت آنيته و تعرض لغضب مخدومه له أن يذهب إلى إدارة الوقف فيترك الإناء المكسور و يأخذ إناء صحيحا بدلا منه و بهذا ينجو من من غضب مخدومه عليه

و هناك "وقف الكلاب الضالة" و هو وقف ينفق من ريعه على إطعام الكلاب التى ليس لها صاحب استنقاذا لها من عذاب الجوع حتى تستريح بالموت أو الاقتناء

و أيضا "وقف إعارة الحلىّ فى الأعراس" و هو وقف لإعارة الحلى و الزينة فى الأعراس و الأفراح يستعير الفقراء منه ما يلزمهم فى أفراحهم و أعراسهم ثم يعيدون ما استعاروه إلى مكانه و بهذا يتيسر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحلة لائقة و لعروسه أن تجلى فى حلة رائقة حتى يكتمل الشعور بالفرح و تنجبر الخواطر المكسورة

و هناك "وقف الزوجات الغاضبات" و هو وقف يؤسس من ريعه بيت و يعد فيه الطعام و الشراب و ما يحتاج إليه الساكنون و تذهب إليه الزوجة التى يقع بينها و بين زوجها نفور و تظل آكلة شاربة إلى أن يذهب ما بينها و بين زوجها من جفاء و تصفو النفوس فتعود إلى بيت الزوجية من جديد

و أيضا "وقف مؤنس المرضى و الغرباء" و هو وقف ينفق منه على عدة مؤذنين فيرتلون القصائد الدينية طول الليل بحيث يرتل كل منهم ساعة حتى مطلع الفجر سعيا وراء التخفيف عن المريض أو إيناس الغريب

و من أروع هذه الأوقاف "وقف الإيحاء إلى المرضى بالشفاء" و هو وقف فيه تكليف اثنين من الممرضين يقفان قريبا من المريض بحيث يسمعهما و لا يراهما فيقول أحدهما لصاحبه: ماذا قال الطبيب عن هذا المريض؟ فيرد عليه الآخر: إن الطبيب يقول: إنه على خير إنه مرجو البرء و لا يوجد فى علته ما يقلق أو يزعج و ربما نهض من فراشه بعد يومين أو ثلاثة أيام

و هناك وقف لمن يريد دخول الحمامات العامة و لا يجد أجر الحمام

و وقف على نوع من الطير يأتى إلى مدينة "فاس" بالمغرب فى موسم معين . فوقف له بعض الخيرين وقفا بما يعينه على البقاء و يسهل له العيش هذه الفترة من الزمن. كأنما شعر هؤلاء الخيرون أن هذا الطير المهاجر الغريب له على أهل البلد حق الضيافة و الإيواء


هذه النماذج السابقة على الرغم من طرافتها ..إلا إنها تدل بشكل كبير على مدى إنسانية المسلم .. و على مدى وعيه بالآخرين و بحاجاتهم .. بل و بالحيوانات الخرساء .. فلا أدرى كيف يأتى من يقول أن نعامل غير المسلمين كمواطنين من الدرجة الثانية

و نستطيع أن نستنتج أيضا أنه إن تم إشباع الحاجات الأساسية للناس فإنه بالضرورة تتحسن أخلاقهم .. فإن المجتمع الذى يذهب فيه صاحب الحاجة إلى مثل هذه الأوقاف ليأخذ مقدار حاجته فقط فى حين أنه يستطيع أن يأخذ ما يزيد عنها .. فهو مجتمع منضبط .. متوازن .. تحكمه القيم و الأخلاقيات .. لا القوانين و العقوبات

Friday, December 14, 2007

نظرة إيجابية فى العلاقة بين المذاهب

ناقش الآخر و أنت تراه أخا لك فى الدين .. لا عدوا لك فى المذهب


---------------------------------------------------------

تحديث

لقد تفضلت الأخت

Soul.o0o.Whisper

صاحبة مدونة

Voice Of Mine

بكتابة تدوينة تستكمل هذا الموضوع و تتناوله من زوايا أخرى .. و أعتقد أنها تدوينة مفيدة فى سياق ما تم كتابته هنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فى هذه التدوينة سنحاول أن نتعامل بإيجابية مع المذاهب و الفرق الإسلامية (بدون الدخول فى تفاصيل مذهبية) راغبين فى أن نضع نقاطا عامة تحكم عملية التفاعل بين المذاهب و بعضها



أولا: توضيح المفاهيم و التعاريف


---------------------------



نبدأ بتوضيح بعض المفاهيم المهمة التى تتبادر إلى الذهن حينما نذكر عبارة "الفرق الإسلامية" مثل "المذهب" و "تقريب المذاهب" و "توحيدها" و نحو ذلك



المذاهب: قد يطلق هذا اللفظ على المذاهب الفقهية و هو ما لا نقصده هنا.. المقصود هنا هو المذاهب الكلامية أو الفرق الكلامية و هو يطلق على التصورات و الاجتهادات التى وصل إليها علماء أصول الدين فى إطار العقائد الإسلامية و خاصة الألوهية و صفات الذات الإلهية و النبوات و الرسالات و ما يتعلق بها من معجزات و ما إلى ذلك من الأمور



هناك من يتعامل مع المذاهب بأن يتم أولا تحديد مناطق الاتفاق بينها تحديدا واضحا .. ثم ثانيا تحديد مناطق الاختلاف و التمايز تحديدا واضحا .. ثم يأتى بعد ذلك إلى التركيز على مناطق الاتفاق و اعتبارها و الاهتمام بها و ذلك بهدف خلق صيغة تعايش بين أصحاب المذاهب المختلفة داخل نفس الأمة .. و ذلك بترك مساحات الاختلاف و التمايز ليتم تناولها فى ساحات الفكر بأدواتها و برجالها دون تعصب أو محاولة لنفى الآخر .. بل بتجرد لطلب الحقيقة .. و هذا المفهوم هو ما يسمى بالتقريب بين المذاهب و هو يختلف تماما عن مفهوم التوحيد بين المذاهب كما سيتضح من الآتى



و هناك من يحاول أن يتعامل مع المذاهب بغرض توحيدها و دمجها فى مذهب واحد يعتقد صاحبه أنه المذهب الصواب .. و ترك بل نفى كل ما هو مخالف لهذا المذهب بشتى الوسائل .. و ذلك المفهوم لا ينادى به عاقل فضلا عن أن يقول به عارف بالتاريخ .. فإن لنا مثالا فى محاولة توحيد المذاهب المسيحية و ما جره ذلك على البشرية من تناحر.. نلاحظ أن "التقريب" يقر بالتمايز بين الأطراف أما "التوحيد" فينفى الاختلاف نفيا تاما



هناك أيضا حالة من النضج الفكرى يصل إليها المجتمع .. و التى معها يتم الاستفادة من المذاهب المختلفة و المتمايزة باعتبارها اجتهادات إسلامية فى إطار علم واحد و حضارة واحدة و دين واحد و النظر إلى الاجتهادات المذهبية المختلفة باعتبارها التراث الواحد للأمة الواحدة و من ثم الاستفادة بالملائم منها .. و هذا يمكن أن يسمى باحتضان المذاهب






ثانيا: التعددية المذهبية فى إطار الجامع الإسلامى العام


-----------------------------------------



إن التعددية فى الأمور شىء طبيعى بمعنى أننا إن نظرنا إلى الإنسانية نجدها تتعدد إلى حضارات متمايزة و إذا نظرنا إلى حضارة معينة (الإسلامية مثلا) نجدها تتعدد بين شعوب وأقوام و أجناس مختلفة.. و هكذا. فإننا فى كل صورة من صور التمايز بين الأمور نجد أن هناك جامعا أكبر منها يضمها تحت جناحه يحافظ على تنوعها و لا ينفيه و إنما ينبنى و يستفيد من هذا التنوع و التمايز.. و هذه سنة الله فى الكون. تأملوا معى قول الله سبحانه و تعالى الآيتين 118 و 119 من سورة هود (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) يقول المفسرون عن هذه الآية أن الحديث عن الاختلاف و التنوع يكون باعتباره علة الخلق أى أن المعنى هو (و للاختلاف خلقهم) فكأنما التعددية هى علة الوجود و ذلك قول القرطبى



أما أن نتعامل مع الآخر على أنه خارج عن رحمة الله.. فذلك يجب الاحتراز منه .. و لنا أن نتذكر مقولة حجة الإسلام أبى حامد الغزالى و التى يقول فيها: "و أما القانون: فهو أن تعلم أن النظريات قسمان: قسم يتعلق بأصول القواعد و قسم يتعلق بالفروع و أصول الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله و برسوله و باليوم الآخر و ما عداه فروع و اعلم أنه لا تكفير فى الفروع أصلا إلا فى مسألة واحدة و هى أن ينكر أصلا دينيا علم من الرسول صلى الله عليه و سلم بالتواتر و لكن فى بعضها تخطئة كما فى الفقهيات و فى بعضها تبديع كالخطأ المتعلق بالإمامة و أحوال الصحابة"ا



و باعتبار مفهوم "التقريب" السابق ذكره .. نجد أننا لا نطلب أن يتنازل الشيعى عن شيعيته أو المعتزل عن معتزليته أو السنى عن سنيته فى التو و اللحظة من أجل إحداث حالة من التقارب بين أبناء الأمة .. لا .. فذلك أمر لا يحدث بين يوم و ليلة كنتيجة لخطبة عالم أو لبحث باحث أو لمؤتمر ينعقد .. بل يجب أن نعرف أن التقريب يؤتى ثماره من حالة مستمرة و متصلة من التعايش السلمى و البحث المتجرد عن الحقيقة .. فإن معتقدات الناس لا تتغير بين يوم و ليلة و هى المعتقدات التى فى سبيلها قد يضحى الإنسان بالغالى و النفيس .. بل بأمواله و حياته لأجلها (بغض النظر عن قبولها أو عدم قبولها من الطرف الآخر)ا


و باستدعاء مفهوم "الاحتضان" السابق ذكره .. و هو الذى يمكننا من استخلاص الصواب من كل تيار و الانتفاع به ..فكما يقول الدكتور محمد سيد أحمد المسير :" إن إنحصار الصواب فى فرقة واحدة من الأمة و التسليم بكل آرائها هو غير ممكن .. إذ كل الفرق فيها الصواب و الخطأ.. و الميزان الصحيح هو أن ترد المسائل مسألة مسألة إلى كتاب الله و سنة رسوله "ا



و نستطيع أن نقرأ أيضا مقولة مستنيرة للإمام السلفى الجليل بن القيم و فيها يقول: "و أهل السنة و حزب الرسول و عسكر الإيمان لا مع هؤلاء و لا مع هؤلاء بل هم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه و مع هؤلاء فيما أصابوا فيه فكل حق مع طائفة من الطوائف فهم يوافقونهم فيه و هم برآء من باطلهم فمذهبهم جمع حق الطوائف بعضه إلى بعض و القول به و نصرة و موالاة أهله من ذلك الوجه و نفى باطل كل طائفة من الطوائف و كسره و معاداة أهله من هذا الوجه"ا


و يقول أيضا: "فهم حكام بين الطوائف لا يتحيزون إلى فئة منهم على الإطلاق و لا يردون حق طائفة من الطوائف و لا يقابلون بدعة ببدعة و لا يردون باطلا بباطل و لا يحملهم شنآن قوم يعادونهم و يكفرونهم على ألا يعدلوا فيهم بل يقولون فيهم الحق و يحكمون فى مقالاتهم بالعدل و الله سبحانه و تعالى أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [الشورى 15] فأمره سبحانه أن يدعو إلى دينه و كتابه و أن يستقيم فى نفسه كما أمره و ألا يتبع هوى أحد الفرق و أن يؤمن بالحق جميعه لا يؤمن بالبعض دون بعض و أن يعدل بين أرباب المقالات و الديانات و أنت إذا تأملت هذه الآية وجدت أهل الكلام الباطل و أهل الأهواء و البدع من جميع الطوائف أبخس الناس منها حظا و أقلهم نصيبا و وجدت حزب الله و رسوله و أنصار سنته هم أحق بها و أهلها" انتهى كلام بن القيم



و إن استعرضنا بعض جوانب التاريخ نجد نماذجا من هذا التمايز و التنوع البناء الذى أضاف إلى الأمة الكثير و الكثير فنجد مثلا أن من الذين اعتمد عليهم البخارى فى صحيحه ما يزيد عن الثلاثين راويا من فرقة المعتزلة بل نجد تراث الجاحظ و هو معتزلى تراثا لا يستهان به بل و نجد من المعتزلة أيضا صاحب كتاب "الكشاف عن حقائق التنزيل" و هو العالم الجليل الزمخشرى و هو كما يطلق عليه "رجل البلاغة فى القرآن"ا



و نجد اسهامات حجة الإسلام أبى حامد الغزالى فى الفقه و أصوله و فى العقائد و الفلسفة و فى الكثير من فنون العلم اسهامات جليلة مع اعتبار أنه أشعرى شافعى متصوف.. و كذلكم الإمام الحافظ بن حجر شارح صحيح البخارى نجده أشعريا شافعيا و مثله الإمام النووى شارح صحيح مسلم



و نجد شيخ الإسلام بن تيمية الذى شهر سيفه و شحذ فكره فى مواجهة المبتدعة من أهل التصوف يأخذ و يحكى عن صوفى جليل مثل الشيخ عبد القادر الجيلانى و كذلكم شيخه حماد الدباسى.. و نجد بن تيمية أيضا يأخذ من أقوال سهل بن عبد الله بن يونس التسترى و هم أحد أئمة الصوفية و علمائهم.. و يستشهد أيضا بمواقف شرف الدين أبى الفضائل عدى بن مسافر بن إسماعيل الهكارى و هو من شيوخ المتصوفة و كذلكم يأخذ عن أبى مدين التلمسانى و هو من مشاهير الصوفية بالمغرب



إن نفى الآخر نفيا تاما و اعتقاد أن الدنيا ليس فيها إلا طريقة واحدة فى الحياة و التعامل و التفكير و الإبداع إنما هو من الغرور الذى يورث الجمود و يؤدى إلى التنافر و التناحر .. هناك دائما فكر آخر و منهج آخر و علم آخر لا يمكن أن يكون خطأ محضا بل من الممكن أن يكون قيمة و مكسب و إضافة و خطوة على طريق التقدم و الرقى .. فإن أردت أن تناقش أخاك فناقشه و أنت تراه أخا لك فى الدين .. لا عدوا لك فى المذهب

Tuesday, November 20, 2007

الفرقة الناجية .. و الاستئثار بالجنة

حديث الفرقة الناجية المشهور بين الناس و الذى يدور حول انقسام الأمة الإسلامية إلى ثلاث و سبعين فرقة .. كلها فى النار إلا واحدة .. يتعامل معه الكثير من الناس بشكل غير سليم.. إلى جانب أن ذلك التعامل الخاطئ أحدث حالة من التفتت فى جسد الأمة بادعاء كل فرقة أنها هى التى تمتلك الحق و هى الأقرب لاتباع سنة النبى صلى الله عليه و سلم .. و ذلك محاولة لها للنجاة من النار و الفوز بالجنة باعتبارها هى الفرقة الناجية
ا
سنتناول هذا الحديث إن شاء الله أولا من ناحية السند (تناول نصى) ثم ثانيا من ناحية المتن (تناول عقلى) ثم ثالثا من ناحية الاستدلال به
ا
أولا: سند الحديث .. تناول نصى
------------------
ا
ا- ذلك الحديث برواياته المتعددة لم يرد فى الصحيحين.. لا فى البخارى و لا فى مسلم
ا
ب- كتب الحديث الأخرى التى ذكرته ذكرت له روايات كثيرة فيها "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين و سبعين فرقة و إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث و سبعين, اثنتان و سبعون فى النار و واحدة فى الجنة" و فى رواية أخرى "ستفترق أمتى على نيف و سبعين فرقة, الناجية منها واحدة" و فى أخرى "كلها فى الجنة إلا واحدة
ا
ج- عرف عن هذا الحديث برواياته المتعددة أنه "حديث صحيح" و لكن ذلك أمر يحتاج إلى إيضاح. فليست كل الروايات صحيحة و إنما كلها ضعيفة إلا رواية واحدة و هى الرواية التى ذكرت افتراق الأمة و ذكرت عدد الفرق و لم تذكر أنها كلها فى النار إلا واحدة و الرواية هذه هى حديث أبى هريرة الذى رواه أبو داود و الترمذى و بن ماجة و بن حبان و الحاكم و فيه يقول: "افترقت اليهود على إحدى – أو اثنتين – و سبعين فرقة و تفترق أمتى على ثلاث و سبعين فرقة".. و إذا نظرنا لسند ذلك الحديث وجدنا فيه "محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثى" و هو لم يوثقه أحد بإطلاق بل قالوا فيه أنه صدوق له أوهام.. و الصدق وحده لا يكفى ما لم ينضم إليه الضبط .. فكيف إذا كان به أوهام؟ لذلك لم يعد هذا الحديث صحيحا لذاته .. و إنما قالوا عنه أنه حديث صحيح و ذلك لتعدد رواياته الغير صحيحة فقيل عنه أنه "صحيح لغيره" أى ليس صحيحا فى ذاته.. و هذه الرواية التى ذكرناها للحديث و التى تعد أقوى طرقه نجدها فى أقل درجات الصحة و هى "الصحيح لغيره" .. و أيا كان فإن الحديث خلا من عبارة "كلها فى النار إلا واحدة" و هى النقطة الدائر حولها الحوار.. أما ما دون هذه الرواية فهى روايات ضعيفة إنما قووها بانضمام بعضها إلى البعض و الذى يراه بعض العلماء أن التقوية بكثرة الطرق لا يؤخذ بها دائما خاصة و الأمر هنا يدور حول عصب الدين و هو أمور العقائد التى تستوجب التوثيق الشديد
ا
د-يقول الإمام بن حزم: إنها موضوعة لا موقوفة و لا مرفوعة و كذلك جميع ما ورد فى ذم القدرية و المرجئة و الأشعرية فإنها أحاديث ضعيفة غير قوية
ا
هـ - أما العلامة بن الوزير فى حديث افتراق الأمة إلى نيف و سبعين فرقة كلها فى النار إلا فرقة واحدة فيقول: فى سنده ناصبى فلم يصح عنه
ا
و- يقول الإمام الشوكانى: أما زيادة "كلها فى النار إلا واحدة" فقد ضعفها جماعة من المحدثين
ا
إلى جانب الكثير من آراء العلماء التى تركتها لعدم التطويل
ا
ثانيا: متن الحديث و معناه.. تناول عقلى
------------------
ا
أما و قد تحدثنا عن سند الحديث.. فالآن نتحدث عن متنه و معناه و دلالاته أو بمعنى آخر سنركز على النقد العقلى الذى وجهه العلماء لمتن الحديث
ا
ا- رأى حجة الإسلام أبى حامد الغزالى يتلخص فى أنه لا يحصر النجاة –بمعنى دخول الجنة و صحة الإيمان- فى فرقة واحدة كما يجعل الهلاك من نصيب المكذبين للرسول و ذلك بدلا من تفسير غلاة التعصب الذين يجعلون الهلاك من نصيب اثنتين و سبعين فرقة ما عدا فرقتهم التى يحتكرون لها صحيح الإيمان و النجاة
ا
ب- يقول العلامة بن الوزير: و إياك الاغترار بـ "كلها هالكة إلا واحدة" فإنها زيادة فاسدة غير صحيحة القاعدة و لا يؤمن أن تكون من دسيسة الملاحدة
ا
ج- يقول الشيخ الدكتور القرضاوى: و فى متن هذا الحديث إشكال من حيث إنه جعل هذه الأمة التى بوأها الله منصب الشهادة على الناس و وصفها بأنها خير أمة أخرجت للناس أسوأ من اليهود و النصارى فى مجال التفرق و الاختلاف حتى إنهم زادوا فى فرقهم على كل من اليهود و النصارى
و قال أيضا: ثم إن هذا الحديث حكم على فرق الأمة كلها – إلا واحدة - بأنها فى النار هذا مع ما جاء فى فضل هذه الأمة و أنها مرحومة و أنها تمثل ثلث أهل الجنة أو نصف أهل الجنة. على أن الخبر عن اليهود و النصارى بأنهم افترقوا إلى هذه الفرق التى نيفت على السبعين غير معروف فى تاريخ الملتين و خصوصا عند اليهود فلا يعرف أن فرقهم بلغت هذا المبلغ من العدد
ا
د- و رأى الدكتور محمد عمارة يتلخص فى أن واقع الفرق الإسلامية لا يمكن التعبير عنه بأى حال من الأحوال بالعدد ثلاث و سبعين فرقة.. فهى عند الأشعرى تزيد عن المائة و الشهرستانى عدهم ستا و سبعين فرقة و بن حزم عدهم خمس فرق و الملطى عدها أربعا و القاضى عبد الجبار عدها خمسا و الخوارزمى عدهم سبعا
ا
هـ- - رأى الدكتور عبد الرحمن بدوى يمكن حصره فى النقاط الثلاث التالية
ا* إن ذكر هذه الأعداد المحددة المتوالية 71-72-73 أمر مفتعل لا يمكن تصديقه فضلا أن يصدر مثله عن النبى
ا* لا نجد لهذا الحديث ذكرا فيما ورد لدينا من مؤلفات القرن الثانى بل و لا الثالث الهجرى و لو كان صحيحا لورد فى عهد متقدم
ا* أعطت كل فرقة لختام الحديث الرواية التى تناسبها فأهل السنة جعلوا الفرقة الناجية هى أهل السنة و المعتزلة جعلوها فرقة المعتزلة و هكذا
ا
و- رأى الدكتور محمد سيد أحمد المسير يمكن اختصاره فى نقطتين
ا* مفهوم الأمة فى الحديث هو "أمة الدعوة" و ليست "أمة الإجابة" .. و أمة الدعوة المقصود بها هو كل البشر الذين أرسل اللهُ النبىَ إليهم بالدعوة .. و أمة الإجابة هم الذين أجابوا النبى إلى الإسلام
ا* بافتراض أن المقصود بالأمة هو "أمة الإجابة" .. فإن إنحصار الصواب فى فرقة واحدة من الأمة و التسليم بكل آرائها هو غير ممكن .. إذ كل الفرق فيها الصواب و الخطأ.. و الميزان الصحيح هو أن ترد المسائل مسألة مسألة إلى كتاب الله و سنة رسوله
ا
ثالثا: الاستدلال بالحديث
------------------
ا
لنا هنا تعليق على الاستدلال بهذا الحديث فى الحكم على فرق الأمة و مذاهبها
ا
أ- ذلك الحديث هو حديث آحاد (أى أن عدد سلاسله السندية قلت عن عشر سلاسل) أى ليس متواترا و شرط التواتر اشترطه غالبية فقهاء الأمة من شافعية و حنفية و مالكية بل و حنبلية و غالبية متكلمى الأمة و علمائها عند الاستعانة بحديث ما فى أمور العقائد .. و لا يوجد إلا "أهل الحديث" و على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل و بعض العلماء المعاصرين الذين يكتفون بكون الحديث آحادا فقط فى الاستدلال به فى أمور العقائد.. لاحظوا أن من الحنابلة من اشترط التواتر فبالتالى ذلك الحديث –إن صح- لا يعتد به فى أمور العقائد طبقا لغالبية علماء الأمة
ا
ب- حتى مع الذين يقولون بحجة حديث الآحاد فى أمور العقائد.. الحديث الذى صح هنا أصبح "صحيحا لغيره" أى أنه فى ذاته ليس صحيحا.. إلى جانب أن الحديث الصحيح الذى ذكرناه يخلوا من "كلها فى النار إلا واحدة" فلا يحق لأحد اعتمادا على هذا الحديث أن يحكم على فرقة أو مذهب ما أنه فى النار.. و إلا هل نرضى لحديث له هذه الدرجة الواهية من الصحة أن يكون حكما على عقائدنا ؟؟
ا
ج- يقول بن حزم بعد أن ذكر الحديثين "القدرية و المرجئة مجوس هذه الأمة" و "تفترق هذه الأمة على بضع و سبعين فرقة كلها فى النار حاشا واحدة فهى فى الجنة" يقول: هذان حديثان لا يصحان أصلا من طريق الإسناد و ما كان هكذا فليس حجة عند من يقول بخبر الواحد فكيف من لا يقول به؟
ا
د- و نختم القول بقول الشيخ الدكتور القرضاوى فهو يقول: ثم إن الحديث يدل على أن هذه الفرق كلها جزء من أمته صلى الله عليه و سلم أعنى أمة الإجابة المنسوبة إليه بدليل قوله: "تفترق أمتى" و معنى هذا أنها – برغم بدعتها –لم تخرج عن الملة و لم تنفصل من جسم الأمة المسلمة و كونها فى النار (إن اعتبرنا عبارة "كلها فى النار إلا واحدة") لا يعنى الخلود فيها كما يخلد الكفار بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين
ا
فى النهاية..نرى أن ذلك الحديث الذى يلقى بالأمة فى النار إلا قليلا منهم هو حديث ضعيف .. و ذلك الحديث الذى يقول بانقسام الأمة هو حديث آحاد "صحيح لغيره" أى أوهن درجات الصحة فمن أراد أن يحكم به على عقائد الأمة فيبدع هذا و يفسق ذلك و يكفر هؤلاء و يقضى بالنار على آخرين و تمسك فقط بما شذ من الآراء و ما انحرف من الأفكار متكئا على ذلك الحديث فليحذر كل الحذر من قولة فى غير موضعها أو حكم ظنى غير صحيح يحكم به على هذه الفرق يحمل به إثما من اثنتين و سبعين فرقة من أمة النبى صلى الله عليه و سلم هذا لمن يعتبر العدد صحيحا
----------------
ا
ملحوظة: نظرا لأن الموضوع يدور حول أمر مهم و هو أمر العقائد ففضلت أن أكتب أسماء الكتب التى أخذت منها محتويات هذه التدوينة
ا
الصحوة الاسلامية بين الاختلاف المشروع و التفرق المذموم الشيخ الدكتور يوسف القرضاوى
مقدمة فى دراسة الفرق الإسلامية الدكتور محمد سيد أحمد المسير
الإسلام و فلسفة الحكم الدكتور محمد عمارة
الإسلام و التعددية الدكتور محمد عمارة
فى فقه الحضارة الإسلامية الدكتور محمد عمارة
فتنة التكفير بين الشيعة و الوهابية و الصوفية الدكتور محمد عمارة
مذاهب الإسلاميين الدكتور عبد الرحمن بدوى